تبدأ السياسة من حق الناس في الكلام والتنظيم والاعتراض وتغيير المصير العام. حين تضيع هذه النقطة تصير الكلمة اسماً للوزارات والبيانات والمؤتمرات، وتغيب بوصفها فعلاً يفتح الدولة أمام المجتمع.

تجربة السجن الطويلة تجعل هذا المعنى أكثر حدة. من يعرف السجن يرى السياسة شرطاً للخروج من العزلة والقهر، ومساحة يستعيد فيها الإنسان حقه في الكلام والفعل. السجين محروم من الزمن ومن المكان ومن حقه في أن يكون طرفاً في تقرير حياته. لذلك تصبح السياسة استعادة لما حاول الاستبداد نزعه: القدرة على قول لا، وبناء مساحة مشتركة لا يديرها الخوف.

تتصل السياسة بالدولة من جهة، وبالأخلاق من جهة ثانية. الدولة التي تمنع السياسة لا تصبح أقوى؛ تصبح أقل عمومية وأكثر ميلاً إلى العنف. والأخلاق التي تنفصل عن السياسة تبقى احتجاجاً بلا أثر، أو تتحول إلى تعزية. السياسة هي المساحة التي يمكن فيها تحويل الغضب إلى مطلب، والمظلومية إلى حق، والشهادة إلى مسؤولية عامة.

هذه القراءة تمنع خطأ شائعاً: اختزال ياسين إلى شاهد على القمع أو كاتب عن السجن. الشهادة عنده تدفع نحو سؤال: أي شكل من الاجتماع يمنع تكرار الألم؟ يحتاج الجواب إلى سياسة تفتح المجال العام وتحاسب السلطة وتسمح للناس بأن يكونوا مواطنين لا رعايا.

لماذا يهم هذا المدخل؟

هذا المدخل يساعد على تتبع حركة الفكرة، لا الاكتفاء بكلمة مفردة. قيمته أنه يربط التجربة بالسؤال العام: ما الذي يتغير في فهمنا للسياسة والعدالة والعالم حين نقرأها من موقع السجن والثورة والمنفى؟

مفاتيح القراءة

  • السياسة تبدأ من حق الناس في الفعل لا من جهاز الحكم.
  • الدولة لا تصير عامة إلا حين تقبل السياسة داخلها.
  • الأخلاق تحتاج سياسة كي لا تبقى غضباً معزولاً.

صفحات قريبة

طريق قريب